أقام لونق .. حينما دبت الحياة فى عروق الشعر!

0
439
بوي جون

 

سـايمون أتــير

قبـل عامين وأكثر ، بالتحديد في يوليو 2015م إزدانت أمسية من أماسى جوبا “الماطرة” وتجمع فوقها الألق والإتحاف، وذلك عندما أقامت مجموعة قطيات الثقافية بالتعاون مع صحيفة الرأى “الموقوفة” أمسية شعرية – غير مسبوقة – تحت شعار “الشعر حياة” إستضيف فيها  الشاعر والروائى “بوي جون أوانق”  الذى نثر درره الشعرية ؛ وهى مجموعة من القصائد -رغم ضيق الوقت- بدءً بالقصيدة الأساسية في الأمسية (أقام لونق) التى جاءت في القراءة الأولى ثم في القراءة الثانية مجموعة من القصائد وهي – إن لم تخني الذاكرة- (زورق معطوب- ولدت بقصد/ أُنجبت عمداً- الولد الذى مر من هنا- عشرة مكانس لتنظيف الصمت- شجوية).

الأمسية بجانب الألق والإتحاف أججت في النفس “شهوة القصيد” التى تستعر كلما سمعت أبياتاً من قصيدة ما!.

 لجملة من أسباب لم أستطيع كتابة ملاحظاتى عن الأمسية بصفة عامة والقصائد بصفة خاصة فى حينها ، ولكن لأن “الشعر حياة” هانذا –بعد مرور أكثر من عامين-  أنفخ فيه الروح (المقال).

لن نتطرق لجميع القصائد – لأغراض هذا المقال- بل سنقف عند (أقام لونق) لأنها القصيدة الأساسية في الأمسية والتى إنصبت حولها جل المداخلات.

أنا: ما الذي كنتُ أنتظرْ ؟.

كنتُ أنتظركِ،حتى ظُن بي الموت وقوفاً كشجرِ الدليبْ.

أقام لونق:عنكِ وحدكِ كان يبحثُ …

كان ينتظرْ,عنكِ قلّب الارضَ,أزعج النملَ,لدغته العقاربُ,شتمته الثعالبُ,مَنْ ينقذه؟.

ان إستهلال القصيدة بهذا الصوت المزدوج يحيلنا مباشرة إلى عنوان القصيدة ، ومن ثم تقوم المحاكأة الفنية لــطريقة عمل (أقام لونق) بجعل القصيدة صورة سينمائية غاية فى الروعة ، تساعد القارئ فى فهم ما إشتكل عليه من معانٍ ، والفاظ ؛ فأقام لونق يقوم  من ضمن وظائفه الكثيرة بتفكيك الحديث الفلسفى، ثم يعيد تركيبه بصورة مبسطة حتى يستطيع فهمها كل الحضور بمختلف قدراتهم الذهنية. من هنا تأتى أهميه دور أقام لونق فى الثقافة -لا سيما عند الدينكا- ؛ فدوره لا يقل عن دور  رئيس المحكمة (السلطان) اوالمسؤول المباشر فى إحتفالات الأعراس!

أنا: شعري مُغبرٌ.

بنطالي كتانٌ,دونكِ أنا حائطٌ يتشظى.

أقام لونق: شعره مكبُ قُمامة.

بنطاله كفنٌ, دونكِ هو ميتٌ يتعفن!.

القصيدة حافلة بالرموز والدلالات المستمدة من الموروث الشعبى ، والثقافة المحلية المهملة؛ حيث نجح الشاعر فى ان ينفض عنها غبار التجاهل ، والتعريف به ؛ وقد برع الشاعر فى ذلك.

لا مطرٌ و السماء سهولٌ السحبُ عليها بقراتٌ ترعى.

و بي (تويلٌ) لكِ لا ينخمدْ.

فهل أنا لصٌ لو أرشدتها صوب (لواكاتٍ) تخصني

حاجبكِ قوسٌ,رموشكِ (دنقاتٍ)

تويـل هذى تعبير أدبـى بإمتيـاز

 أقام لونق:إنه يُغني فيقول:حاجبكِ قوسُ فارسٍ خارجٍ للقنصْ.

و عيونكِ رزمةٌ من أسهم أزاندي خرجوا للتربصْ.

القصيدة بجانب الرموز والدلالات الثقافية المحلية مليئة بإشارات نحو الأمكنة ، وكأن الشاعر يحتفى بتلك الأمكنة!.

أقسمُ قائلاً: لو النيل أحدى بقرات أبي.

و السوباطُ عشبٌ يجري من مزرعةِ أمي

إنه يقول:حاجبكِ قوسٌ,رموشكِ دنقاتٍ بأيدي كماة المنداري في دغل (تالي)

و أنا بلا أملٍ تتشابكُ أرجلي,كأرنبٍ تتهشمني سفاريكُ البرونْ.

أو قرموط عالقٌ (بخورِ أدار)

لا مطرٌ و السماء سهولُ (تويج) السحبُ عليها بقراتُ دينكا ترعى.

قولي إنني لستُ لصاً لو وجهتُ البقرات صوب لوكات والدكْ.

لو فيدر لا تشق السحاب نحو (جوبا) إلا زاخزةٌ بكِ.

وتركبين بوتات (ملكال) غير وجفةٍ من شطِ (تانق ريال)

لم يستوقفنى إحتشاد القصيدة بهذا الكم الهائل من الأمكنة ؛  فأعماله  الأخرى (قصص روايات نصوص شعرية) تظهر جلياً هذا الإحتفاء بالامكنة ، فهو مرتبط إرتباطاً لا فكاك عنه بالأمكنة بل مسكون بحبها. إذ يقول فى أحدى حواراته: “طوال سنوات الطفولة الرائعة أحمل حلماً واحدا هو الأحب إلى نفسى من بين جميع الاحلام التى حلمت بها، كان ذلك الحلم هو ان أطوف العالم كله فأزور جميع الأمكنة التى سمعت عنها”!

بجانب دفقة البساطة التى تجرى بين أبياتها فالقصيدة جزلة الالفاظ، حلو الوقع على المسامع عند الإلقاء بليغ ومفهوم المعني – عند الرجوع إلى الحواشي- أيضا سهل المخارج متلاحم الأجزاء ، وبهذا يمكن لنا القول دون وجل انها جيدة بما تكفى لتحسب ضمن “أجود الشعر الذي يجرى على اللسان كما يجرى فرس الرهان”

لست لغوياً وبالطبع لست ناقداً أدبياً، وهذا المقال ليس تقييم نقدي للقصيدة بل محاولة متواضعة منا لإضاءة بعض مواضع الإدهاش فى النص ، لذلك لن نرهق أنفسنا أولاً ،والقراءة الأماجد ثانياً بالتنقيب التفصيلي في القصيدة وجماليتها وفن نظمها. لكننا لا نستطيع في هذه العجالة المرور دون التطرق إلى قضية (اللفظ والمعنى ) وأهميتها فى الشعر؛ لانها تبقى على رأس المشاكل او القضايا التى شغلت النقاد كثيراً.

التعليق:   

القصيدة فى رأى المتواضع غير معصومة من النقد مثلها مثل أي عمل أدبى، ولكنها ستقف شامخة إذا ما رُكز سهام النقد نحو الفاظها ومعانيها لأن نقدها بالتركيز على الالفاظ ، او المعانى سيكون ضعيفاً ؛ فيمكن نقدها من زاوية “القافية” إذ كنت من أنصار المدرسة الكلاسيكية ، الذين يولون أهمية كبرى لمسألة الوزن ، والقافية. بل يعتبرون كل ما يخلو من القافية ليس بقصيدة!؛ فالقصيدة عندهم هي (العمودية) –ذي وزن وقافية ، (كانت مداخلتي في الأمسية الشعرية سؤال عن خلو القصيدة من القافية ، وقصدت من ذلك معرفة أي مدرسة ينتمى إليه الشاعر (الكلاسيكية ام الحديثة)؟. اما إذا كنت من الحداثيون (انصار الشعر الحر، او الحديث) فلن تعر غياب القافية أى أهمية ؛لأن الثورة الحداثوية –إذا جاز لنا التعبير- طالت القصيدة “العمودية” فأفرزت أشكالاً أخرى ، منها قصيدة (التفعيلة) ؛ وهى قصيدة موزونة لكنها لا تعتمد نظام البيت الشعرى ، بل نظام السطر الشعرى  ، ولا يشترط إلتزامها القافية مثل القصيدة العمودية! – مع ان القافية تضيف رصيداً إلى اللغة، وتعطى رونقاً للقصيدة كما فى أشعار القدامى، مثل “نصيب الأكبر” الذى يصل بالقافية إلى حد الهمس فالقافية في شعره لا تبدو متحذلقة، ولكنها من تنفخ في القصيدة روح الاغنية.

وكمثال نجد الرونق فى القصيدة الاحتجاجية للشاعر الاموى “الحيقطان”  فى رده علي الشاعر “جرير”  ومن أبياتها:

فلو كان غير الله رام دفاعه  –  علمت وذو التجريب بالناس أخيرُ

وما الفخر إلا ان تبيتوا إزاءه  –   وأنتم قريب ناركم تستعرُ

ويدلف منكم قائد ذو حفيظة  –  نكافحه طوراً وطوراً يدبرُ

فإما الذى قلتم فتلكم نبوة   –  وليس بكم صون الحرام المسترُ

وقلتم لقاح لا نؤدى أتاوة  –   فاعطاء أريان من الغر أيسرُ

وكذلك قول “سنيح بن رباح” فى رده علي “جرير” عندما هجاء بنى تغلب:

قد قستُ شعرك يا جرير وشعره × فقصرت عنه يا جرير وطالا

ووزنت فخرك يا جرير وفخره × فخففت عنه حين قلت وقالا

هذا لا ينفى  الروعة والجمالية فى الشعر الحر (الحديث) حيث نجدها في القصيدة التى يحيئ فيها  الشاعر “صلاح احمد إبراهيم” رائدة الفضاء الروسية “فلنتينا ترشكوفا” ومن أبياتها:

انا الذى ليس له ان يملك الارض

ولا ان يقبل الاجر

ولا ان يقرع الاجراس فى بيع ولا شراء

الصائغ الماهر والحداد، سادن الاسرار، مانح الأسماء.

مسخر الكون، مسير النار، مدوخ السندان، مبدع الاشياء

مبارك الحصاد مكمل الطقوس، باذر الموروث، سامر المساء

أنا صلاح الشاعر، فى تواضع جم وفي حب وبإنحناء

أهدى إليك هذا العسل البرى يا فلنتينا ترشكوفا، ومنك للنساء

وعن هذه القصيدة يقول الدكتور “إحسان عباس”: لو لا ان قصيدة صلاح مثقلة بالاسماء والاشارات التاريخية لحق إقتباسها للدلالة على وجهة جديدة لا فى المحتوى وحسب بل فى الشكل والجمالية ايضاً!.

كذلك نجد الروعة فى قصائد الرواد (رواد الشعر الحر) كــ”بـدر شاكـر السيـاب”  و”نازكــ الملائكــة” . فقصائدهما تحفل بصور جمالية ،وموسيقى داخلية غاية الروعة مثل رائعة السياب (أنشودة المطر) ومن أبياتها:

عيناك غابتا نخيل ساعة السحر

أو شرفتان راح ينأى عنهما القمر

عيناك حين تبسمان توُرق الكروم

وترقص الأضواء كالأقمار فى نهر

وهذه الأبيات من قصيدة “نازكـ” :

أنا ايها النائى الغريب

لك انت وحدك غير انى لن اكون لك انت

أسمعها واسمعهم ورائى يلعنون هذا الغرام

 اللفـظ والمعنـى:

لقد شغلت قضية (اللفظ والمعنى) النقاد –كما أشرنا- وإنقسموا فى ذلك إلى فرق، فريق وقف إلى جانب اللفظ كإبن “خلدون”، و”ابي هلال العسكري” الذي يرى ان البلاغة والفصاحة هي إيضاح المعني وتحسين اللفظ، ولكن لا شأن فى إبراز المعاني لأن المعاني يعرفها العربي والعجمي والقروى والبدوي وإنما الشأن فى جودة اللفظ وصفائه وحسنه وبهائه ونزاهته ونقائه وطلاوته، لذلك نجد عند أبى الهلال تكراراً لكلمات “اللفظ” و”اللفظ الكريم”. اما إبن “سنان الخفاجى” فقد قال: ان الفصاحة مقصورة على اللفظ. وفريق آخر يتزعمه (عبد القاهر الجرجاني) الذى إنحاز للمعنى وتصدى لأنصار اللفظ بحيث جعل اللفظ تابعاً للمعنى فقط. وفريق ثالث وقف إلى جانب اللفظ والمعنى ،ويمثله (إبن قتيبة) الذى أكد أهمية اللفظ والمعنى ،وقام بتقسيم الشعر إلى أضراب ؛ ضرب منه حسن لفظه وجاد معناه ، وضرب حسن لفظه دون معناه ، وضرب جاد معناه وقصرت الفاظه ، وضرب تأخر معناه ولفظه.

   ختاماً..                                                  

   يقول “ستيفن مالارميه”: ان الشعر لا ينسج من الأفكار، ولكن من الكلمات فهو يفترض ان القصيدة توجد كقصيدة فى العلاقات بين الكلمات كأصوات ليس إلا ، والمعنى الذى نشعر به فى اي قصيدة أصيلة إنما هو حصيلة لبناء الأصوات. تماشيا مع قول “مالارميه” نجد ان قصيدة (اقام لونق) متماسكة البناء الصوتي ، وقد برع الشاعر فى إتحافنا بما أسميه بــ(الصوت المزدوج)، فى محاكاته الفنية لوظيفة “أقام لونق”  وإذا كان فهم المعنى والشعور به حصيلة لبناء الاصوات فالاولى ان لا يجد المرء صعوبة فى فهم (المعانى) وما يرمى إليه الشاعر حتى ولو حوت القصيدة (الفاظاً) من لغة محلية مثل عنوان القصيدة ،  والذى عرفها الشاعر فى البداية –عنوان القصيدة أثار إستغراب أحد المتداخلين- ، ففى رأي لن يجد المتلقى صعوبة فى إستساغتها إذا تجاوز الكلمة وذهب الى دلالتها ودورها ومايمثلها والفلسفة من وضعها.

    * المصون – أبى أحمد الحسن العسكري 

    * الموسوعة الحرة – يكيبيديا 

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here