المسرح في جنوب السودان .. نشاط قديم وإبداع متجدد

0
530
المسرح في جنوب السودان

 

جوبا –  ملوال دينق

(1)

في جنوب السودان أحدث دولة في العالم، إزدادت في الأونة الأخيرة وتيرة الأهتمام بالمسرح والأنشطة الثقافية المختلفة، سيما وسط شرائح المثقفين، رغم التحديات اللوجستية التي تواجه الفن عموما والمشتغلين فيها من جهة، والتأثيرات السلبية الناجمة عن الأزمة السياسية التي تمر بها البلاد منذ حوالي العامين من جهة أخرى، وشكلت ذلك إلى جانب عوامل أخرى عائقا كبيرا أمام إزدهار وتطور المسرح الذي يعد نشاط قديم في البلاد ومارسها المجتمعات منذ عهود بعيدة – وإن لم يكن بمعناه الحديث – إذ تذخر الطقوس والثقافات المحلية بممارسات عديدة يمكن ادراجها ضمن الاشكال المعروفة للمسرح.

(2)

نشاط قديم :

ملوال دينق

 

يعود تأريخ المسرح في جنوب السودان إلى أزمان قديمة، وعرف الناس المسرح مع تشكل الكيان الذي يعرف “بجنوب السودان”، إذ كان ولا يزال الطقوس الشعبية المحلية تذخر بالعديد من الممارسات التي يمكن إدارجها ضمن أشكال الفنون المسرحية المعروفة، والمستوحاة من لدن ثقافات وتقاليد الشعوب، بيد أن المسرح بمعناه الحديث بدأت في التشكل والظهور في البلاد مع دخول البعثات التبشيرية المسيحية في القرن قبل الماضي، وظلت بعد ذلك محصورة في نطاق الكنيسة، فيما أشتهر بالمسرح الكنسي.

ويقول الصحفي والناقد المتخصص مثيانق شريلو في عرضه لتأريخ ومراحل تطور المسرح في جنوب السودان :”المسرح في البلاد ظلت موجودة مع بداية تشكل ما يسمى بجنوب السودان، وكانت هنالك ممارسات مسرحية تظهر في الطقوس الشعبية المحلية ومرتبطة بحياة المجتمعات، سوى كان في شرق البلاد أو غربه أو الجنوب أو الشمال”.

وأضاف :”ظلت هذه الممارسات سائدة لحين تقسيم جنوب السودان في حقبة الأستعمار لأكثر من ثلاثة مناطق تبشيرية، كاثوليكية وأسقفية وإنجيلية، وما هذا التقسيم ودخول البعثات التبشيرية بدأ الجنوبيون يعرفون المسرح بشكلها الجديد، ولكن في إطار محدود، إذ كان الأشكال المسرحية السائد أنذاك هو ما يسمى بالمسرح الكنسي، ولا تخرج من نطاق الكنيسة، وتتناول موضوعات لها علاقة بالتبشير”.

وأوضح شريلو انه مع التطورات السياسية في السودان قام الرئيس السوداني الأسبق الفريق إبراهيم عبود بطرد البعثات التبشيرية المسيحية، ولكنه إستدرك قائلاً :”قبل ذلك الحدث هنالك فترة مهمة جداً في تاريخ المسرح المحلي عرفت فيها البلاد الأشكال الحديثة للمسرح، وذلك بعد عودة شخص يدعى أمونا كيباسي .. وكيباسي هو جندي في الجيش البريطاني شارك في الحرب العالمية الثانية، وعاد عقب إنتهاء الحرب رفقة مجموعة من الجنود الجنوبيين إلى البلاد مكتسبين ثقافات جديدة”.

وتابع :”مع عودة أمونا كيباسي جلب معه ما يسمى بالمسرح الحديث وإستطاع من خلال خبرته في الجندية وتجواله في مدن عديدة، بالإضافة إلى الموهبة التي اكتسبه من المجتمع، تطبيق ما يمكن تسميته بأول ممارسة مسرحية في جنوب السودان، وكانت عروض محصورة في أماكن محددة، ولكن بعد فترة أصيب كيباسي بمرض الجذام، ولأنه يعرف جيدا ان المسرح هو فن إنساني قرر تخصيص عوائد المسرحيات التي كان يؤديها لزملائه المصابين بمرض الجذام.

ومضى إلى القول :”أمونا كيباسي لم يكن الظاهرة الوحيدة، هنالك ظواهر أخرى لم تسلط عليها الاضواء، وبرز اسم كيباسي لأنه بدأ نشاطه في مدينة جوبا .. وجوبا كانت هي المركز الرئيسي وأهم مدينة في جنوب السودان .. أيضا كانت هنالك أنشطة مسرحية شهدتها المدارس الثانوية القومية، إذ كان غالبية المعلمين الذين يدرسون في تلك المدارس عملوا في مناطق تحت سيطرة المستعمر، واكتسبوا خبرات ثقافية معتبرة ساهموا بها في خلق حراك وسط الطلاب”.

(3)

المشاركة في مهرجان شكسبير بلندن :

في مكتبه المتواضع بحي “نيم” وسط العاصمة جوبا، يجلس المنسق العام لمنظمة جنوب السودان للمسرح، نيكولا فرانكو، خلف شاشة الحاسوب، وبدأ مشغولا بأمر مهم، علمنا لاحقا انه يرتب في برنامج مسرحي تعتزم المنظمة اقامتها قريبا في جوبا، ويشارك فيها فرق مسرحية من جوبا و واو وبور.

يقول فرانكو :”المسرح في جنوب السودان قامت بعد عودة جنود جنوبيون شاركوا في الحرب العالمية الثانية، إذ اكتبسوا بحكم تجوالهم حول العالم ثقافات جديدة من بينها المسرح، وقاموا بتطبيقها على ارض الواقع”.

وأضاف :”بعد التوقيع على إتفاقية أديس أبابا للسلام في سبعينات القرن الماضي، بدأ أعداد كبيرة من الجنوبيون في العودة إلى وطنهم، من شرق افريقيا وأمريكا ومن شمال السودان، وقاموا بتأسيس فرق مسرحية عديدة، أشهرها فرقة (سكاي لاك) التي كانت تمول من قبل الحكومة الإقليمية”.

وتابع :”شهدت البلاد أكبر نشاط مسرحي أثناء فترة الحرب الأهلية الثانية التي إندلعت في عام 1983، في المدن المختلفة وفي مناطق النزوج بشمال السودان، وإزدهرت المسرح في نهاية الثمنينات وفاتحة التسعينات من القرن الماضي، وتأسست فرق مسرحية في مدينة واو من قبل الأستاذ ديرك ألفريد وزملائه، وكذلك في مدرسة رومبيك الثانوية، وكانت هذه النشاطات تبرز أثناء منافسات الدورة المدرسية، وفي عام 1994 تم تأسيس فرقة كواتو الشهيرة، ومن بعدها ولدت فرقة عماوس في 1996، إلى جانب فرق مسرحية أخرى، وبدأ الحراك المسرحي في التوسع والانتشار”.

وزاد :”اما الفترة ما بعد التوقيع على إتفاقية السلام وإستقلال جنوب السودان (2005 – 2011) فلم تخضع بعد لدراسات متأنية، ولكنها شهدت نشاطا مسرحيا ملحوظ، وكان أبرز حدث في الفترة هو نقل كلية الفنون والموسيقا والدراما بجامعة جوبا من الخرطوم إلى جوبا، إذ ساهم ذلك قي تشكيل البنية المسرحية الحديثة في جنوب السودان”.

وحول تجربة المشاركة في مهرجان وليم شكسبير للمسرح بلندن يضيف فرانكو :”مهرجان وليم شكسبير هو مهرجان عالمي يجمع كل مسرحيات شكسبير وتقدم بلغات محلية، وكان المهرجان مضبوط لتقام مع فعاليات أولمبياد لندن في أبريل – مايو 2012، بمشاركة 27 دولة حول العالم، وكنا محظوظين بالمشاركة في المهرجان رغم إن بلادنا كانت حديثة الميلاد وقتذاك ونالت الاستقلال لتوها”.

ومضى في الحديث :”السؤال الذي وجهت لنا، كان حول المسرحية التي نرغب بالمشاركة بها في المهرجان من بين مسرحيات شكسبير، وبعد قراءة وتمحيص لكل النصوص، وقع اختيارنا على مسرحية (سمبلين) .. وكان ذلك لأسباب عديدة أبرزها تشابه القصة والحبكة مع الأحداث والنقاش التي كانت تدور وقتها في جنوب السودان، مثل مواضيع السلطة والحكم والعسكر وخلافها، ووجدنا أيضا فلسفة مرتبطة بالواقع السياسي والاقتصادي والثقافي للجنوبيين”.

وأوضح :”بعد اختيارنا لمسرحية – سبملين – كان ينبغي علينا أيضا أختيار لغة واحدة من بين اللغات المحلية لتقديم المسرحية، بحسب لوائح المهرجان التي تشترط تقديم العرض بلغة محلية، واخترنا في النهاية لغة جوبا، وكلف الأستاذ الكبير جوزيف أبوك نفسه بترجمة المسرحية إلى لغة جوبا بحروف لاتينية وإنجليزية”.

وأردف :”بدأ المهرجان وقدمنا عرضين متتاليين في يومي الثالث والرابع من مايو 2012، ووجدتا اقبالا واستحسانا كبيرين من قبل النقاد في صحيفة غارديان البريطانية، وصنفت المسرحية ضمن أفضل المسرحيات في المهرجان وحازت على أربعة نجوم من أصل خمسة بحسب الصحيفة”.

 (4)

تجارب شخصية :

وتذخر الوسط الثقافي في جنوب السودان بعديد القصص والحكايات الملهمة لشباب أسرهم الفن، واختاروها دون سائر العلوم والتخصصات، ليخوضوا معها رحلة جديدة في الحياة عنوانها “إبداع بلا حدود”.

ويسرد الشاب جوير جوير دينق – الذي تخرج حديثا من كلية الفنون والموسيقا والدراما بجامعة جوبا قسم الدراما والتمثيل والاخراج، كيفية التحاقه بهذه الكلية التي لا تحزى بشعبوية كبيرة في المجتمع الجنوبي.

ويقول :”دخلت هذه الكلية بناءا على رغبتي الشخصية، وقبل التحاقي بها كنت ناشطا في الفرق الشعبية بالخرطوم، وعضوا في فرقة تدعى “سودان قلبو أبيض” بمنطقة أمبدة، ومن خلال نشاطي في الفرقة تشكلت رغبتي في دراسة المسرح”.

وأضاف :”عندما جلست لامتحان الشهادة الثانوية كان رغبتي وقتها الالتحاق بكلية الفنون والموسيقا والدراما بجامعة جوبا .. ذلك هو حلمي بأن أدرس في الكلية الذي يرى الكثير من أفراد المجتمع أنها ليست ذات تأثير كبير في الحياة، وبالفعل تم قبولي بالكلية في عام 2009 .. واستطيع ان اقول الآن، بأنني قد تعلمت الكثير من خلال سنوات دراستي بالجامعة، اجملها معنى التعايش السلمي”.

 (5)

مطالب بتشييد مسرح قومي :

يواجه المسرح في جنوب السودان تحديات عديدة، تهدد استمرارية نشاطاتها، فبخلاف غياب القوانين والتشريعات التي تنظم العمل المسرحي أو الثقافي عموما، يعأني المسرح من غياب البنية التحتية والتمويل المالي اللازمين، ونتيجة لذلك برزت مؤخراً أصوات تطالب بضرورة تشييد مسرح قومي، ودور للعرض وأندية ثقافية تساهم في إثراء النشاط الثقافي وتخلق حراك مصحوب بانتاج وفير.

ويقول الصحفي المهتم بالشأن الثقافي، مايكل عبدالله، إن أكبر التحديات التي تواجه النشاط المسرحي في البلاد هو غياب المسرح القومي والأماكن المخصصة لاقامة الأنشطة المسرحية والثقافية، كما أشار إلى أن ضعف التمويل المالي يشكل عقبة كبيرة أمام تطور المسرح، مطالبا جهات الاختصاص بالالتفات للموضوع.

وأضاف عبدالله :”رغم هذه التحديات إلا أن المسرحيين إستطاعوا تقديم أعمال جميلة بمجهودات فردية، والمسرح كفن نبيل يمكن أن تلعب دور كبيرا في خلق التعايش السلمي وسط المجتمعات، ومخاطبة القضايا الاجتماعية المختلفة”.

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here