المشهد الثقافي بجنوب السودان ذاكرة الإبداع و تحولات الراهن

0
987

*محمد بدوي

الناظر إلى طول أمد الحرب الأهلية بين (السودانيين: السُودان وجنوب السُودان ) والتي إمتدت لفترتين منذ العام )1954- 1972م ( ثم الفترة الثانية ) 1983- 2005م ( وما حملته من إفرازات علي كل المستويات سواء في نسخة تديينها (الجهادية)، يجد أن سادت لغة الكراهية التي بثها علي نطاقٍ واسعٍ الإسلاميون السودانيون إلي جانب تأثيراتها المباشرة التي دفعت بشعوب جنوب السودان إلي النزوح شمالاً ( السودان حالياً) واللجوء إلى دولة مصر ودول الجوار القريبة مثل ( يوغندا ، كينيا  وإثيوبيا) بالإضافة إلي العديد من الدول الأوربية والولايات المتحدة الأمريكية وأستراليا .

عربي جوبا سيد  مشاهد الحياه

في البدء لابد من الإشارة إلي أن اللغة العربية كانت لغة الدولة و التعليم في الدولة السودانية،  لكن  بِالنظر إلي المشهد الثقافي في جنوب السودان بعد توقيع إتفاق السلام الشامل بين الحكومة السودانية والحركة الشعبية لتحرير السودان في العام (2005م)، الوقوف علي مظاهر التنوع اللغوي الذي إقترن بحركة اللجوء إبّان فترة الحرب، فمن البديهي أن نُشير إلي لغات شعوب جنوب السودان بالإضافة إلي عربي جوبا اللغة التي يمكن تعريفها بأنها) لغة هجين ظهرت إلى حيز الوجود من خلال إمتزاج  لغات شعوب جنوب السودان باللغة العربية)، لكن ظلت لغة الباري [1]هي ذات الأثر الأكبر في تشكل اللهجة الوليدة، و واتخذت  لغة عربي جوبا من إقليم الإستوائية الكبرى  وعلي وجه التحديد عاصمته جوبا مسرحاً لها بحكم  موقعها الذي إكتسبته من النشاط التجاري الذي ظل يشهده جنوب السودان وأيضاً كنقطة إنطلاق للتجارة الحدودية مع بقية دول الجوار، حيث يشترك معظم شعوب جنوب السودان في التواصل بها، فارتفعت لتُصبح  لغة الحياة اليومية حيث بثت بها إذاعة جوبا  في العام 1962م و التي كانت تبث لمدة ثلاث ساعات ، حياه باب الله أحد المذيعات اللائي رسخت طلاوة صوتها في اثير الإذاعة. [2]

يدجوك اقويت

  يقول عبدالكريم خير السيد ( أن لغة عربي جوبا كانت لغة التواصل في أغلب مدن جنوب السودان ، في كل من توريت التي عاش فيها 1975 الي 1978م )  ، و تنقل خلالها مستخدما عربي جوبا بين كل من بور ،  فرجوك ، كتري ، نمولي .[3]

أيضاً عمق من إتساع نطاقها حركة التجارة الواسعة التي انتظمت دولة جنوب السودان بعد توقيع إتفاق السلام الشامل ، والتي شجعت العديد من دول الجوار يوغندا، كينيا، إثيوبيا ، إرتيريا، الصومال، الكنغو، أفريقيا الوسطي، رواندا و بوروندي، لتصبح لغة عربي جوبا هي لغة التواصل الأساسية بينهم و شعوب جنوب السودان .

أحياء مدينة جوبا و تأثير لغة عربي جوبا و اللغات الاستوائية:

بالنظر إلي تأثير لغة عربي و عمقها التاريخي في تشكيل الحياة الإجتماعية ، سأحاول الخوض  مستعينا  بمنهج التحليل التاريخي حيث يظهر من أسماء الأحياء و الضواحي القديمة بإقليم الإستوائية الكبرى حيث إزدهرت عربي جوبا ، أسماء تشكلت مستندة عليه كلغة حياة يومية مما يجعلني أقول بإطمئنان إنها كلغة وطنت ثقافتها في تربة استوائية  جنوب السودان وافردت حيزا لنفسها  كلغة الثقافة و التفكير و الغناء فبتقصي أسماء الاحياء أدناه مثل (خلي بالك ، أطلع بره ،حي نيم ) تجعلنا نركن إلي تغلغل عربي جوبا في الحياة الإحتماعية ، الإرتباط الثقافي و الوجداني الذي ظل يربط السودان ( العاصمة أو مركز السلطة و الأقاليم ) يظهر في  أسماء أحياء  مدينة جوبا وهي ( نمره 3 ، العمارات ، حي الكويت ) ، الحرب و تأثير المؤسسة العسكرية يظل في أسماء( البلك ، الملكية ) ، الأحياء التي حملت الصبغة السياسية  للإنقلابات العسكرية التي جرت في السودان سابقاً تظل في وضوح في أسماء أحياء( مايو , الثورة ) ، أما إقتصاديا فقد دفع تأثيرها ليرتبط بإسم ( [4]حي جلابة ، المعونة ) ، كما أشرنا في موضع سابق من المقال إلي أن لغة الباري كان لها الأثر الأكبر في تشكيل عربي جوبا ، و ذلك ما يعزي إلي  حالة الخصوصية لثقافة إقليم الاستوائية ، و الذي يظهر في أسماء أحياء( كتور، منوكي [5]، وناكورون)  .

 ختاماً العمق الراسخ الذي رسخت جذور لغة عربي جوبا تدفعنا للتفكير العميق في أنها  أحد حوامل الثقافة و لغة تعبر الي حد ما عن الحياة اليومية [6]بل أنها مؤهلة لتقف علي كعب عال في المشهد الكبير .

 عربي جوبا همزة وصل :

إرتباط جوبا بالإقليم الإستوائي بتنوعه الإثني المشترك عبر الحدود مع دولتي  يوغندا و الكنغو ، و التجارة التي كان روادها التجار السودانيين الذين أسسوا في العام 1972م مدينة بازي الحدودية بدولة الكنغو لتصبح مركزاً تجارياً ، عبر تطويرها من قرية صغيرة بها ما يقارب العشرين قطية الي أكبر المراكز التجارية بشرق أفريقيا ، إمتد النشاط التجاري إلي مدينة أروا اليوغندية بذات الجهد ، الهجرات التي إستندت علي إثنية الأيرنقا من غرب إفريقيا التي تعرف بإسم إثنية اللكبرا في شرق إفريقيا،  بالإضافة الي النوبيين السودانيين الذين دفعت بهم الحرب العالمية الأولي لشرق ‘فريقيا ، حيث يتحدثون  لغة عربية عرفت بلغة عربي نوبي ،  التي تحمل مشتركات عميقة  مع  عربي جوبا ، فوحدت لغة عربي جوبا وجدت مناخاً ملائما لتصبح قاسما مشتركا في مدينة أروا كلغة أولي ، جمعت عربي جوبا كلغة مشتركة في المثلث التجاري الذي تمثل أضلاعه مدينة يايي الجنوب سودانية ، بازي الكونغولية و أروا اليوغندية .

الصحافة و النشر دار رفيقي و الريادة:

ظلت اللغة العربية تُسيطر علي لغة كتابة الإصدارات الصحفية في الدولة الحديثة، حيث بلغت 5 صحف مقابل 3 تصدر باللغة الإنجليزية ، من جملة الصحف التي تبلغ 8[7] صحف تصدر بدولة جنوب السودان، وتعتبر صحيفة الموقف التي تصدر بالعربية هي الأعلى توزيعاً، وتُعتبر دار رفيقي للطباعة والنشر التي تأسست في العام 2015م هي أول دار نشر وقد نشرت العديد من الإصدارات لكتَّاب وأدباء جنوب سودانيين منهم إستيلا قيتانو وسارة الجاك  ومنجد باخوس . [8]

من الاصدارات الحديثة لدار رفيقي كتاب سكاكين و هو مجموعة مقالات للكاتب الصحفي بول ايزك سبق و أن نشرت في صحيفتي المصير و الموقف ، و هي باللغة العربية الفصحي مع مزيج مما يعرف بلغة الرندوك وفقا لصحيفة الموقف في عدد الاربعاء الثقافي فان الكتاب سيطرح بمعرض الخرطوم الدولي للكتاب في دورته التي ستنطلق في 17 اكتوبر2016م [9]

الكتابة عن المشهد الثقافي تتطلب تتبع أثر التنوع اللغوي الذي حُظيت به دولة جنوب السودان في تواريخها المرتبطة بالسلم ، وهنا أعني بعد العام 2005م، إذ لم ينل حظه من الإهتمام والتطوير وذلك لأسباب مرتبطة بسيطرة المشهد السياسي علي ما عداه، إلي جانب لغات شعوب جنوب السودان كما أشرنا هنالك لغة عربي جوبا والإنجليزية، أيضاً لم يغب عن المشهد لغات مثل السواحيلية واللوقندا  والزائيرية التي يتحدثها جنوب سودانيون ممن إستقروا بدول شرق إفريقيا يوغندا وكينيا والكنغو ، في فترات حالة عدم الإستقرار الأمني بإقليم جنوب السودان قبل الإنفصال في 2011م، يبرز تأثير لغات القرن الإفريقي الأمهرية والتقرينا  في المسرح الجنوب سوداني نتيجةً للعلاقات التي ربطت الحركة الشعبية لتحرير السودان بدولتي أثيوبيا وإرتيريا منذ العام 1983م وإلي 2005م، أضف إلي ذلك فقد شهد بعض الجنوب سودانيين فترات إستقرار بإثيوبيا بسبب ظروف الحرب،  لغة التقرنا يمكن حصر المتحدثين بها لدي منتسبي الحركة الشعبية لتحرير السودان ، من الذين خدموا في الجبهة الشرقية وقد تمركزوا وقتها في دولة إرتيريا في الفترة التي إستضافت فيها التجمع الوطني المعارض بأراضيها، وهو ما يُفسِّر سر إحتفاء منتسبي الحركة الشعبية بالفنانة الإرتيرية هيلن ملس[10] التي أقامت حفلاً حصريا بالقاعدة العسكرية لجنوب السودان (بلفام ) في العام 2007م، أما العربية  فهي من نصيب الجنوب سودانيين  الذين إبتُعثوا للدراسة بالدول العربية مثل مصر، إلي جانب الذين إستقروا في السودان الشمالي، أضف إلى هؤلاء الذين أجبرتهم ظروف عدم الإستقرار للمكوث  بدولة مصر العربية التي كانت تُمثل إحدى المحطات الأساسية لما قبل العام 2005م ، للراغبين في إعادة التوطين في دولةٍ ثالثة.

اللغات التي اشرت إليها ، بالرغم من عدم حضورها الكثيف حيث ظل تداولها بين افراد الجاليات الاجنبية و الجنوب سودانيين الذين يتحدثونها ، حد من انتشارها الظرف التاريخي للدولة الجنوب سودانية حيث الغالبية التي  استقرت بجنوب سودان ، قدموا لأغراض تجارية  ثانيا لم تساعد الاحداث التي اندلعت في العام 2013م علي التفكير في الاستقرار طويل الامد  ، مما كان يمكن معه ان تجد تلك  اللغات البيئة المواتية لكي تضع بصمتها في ظل مشهد التنوع .

النافذة الأدبية لاتزال مترابطة الجذور وصامدة ، رغم الراهن السياسي الذي تقف علي حوافه دولتان كاملتا السيادة، ذاك أمرٌ طبيعي لأن لُحمة ذاك الترابط هو تشكيلٌ طوعي مضي عبر السنين متفوقاً علي الرغبات السياسية، فهنالك المجموعة القصصية لإستيلا قيتيانو الموسومة بالعودة  تُشير إلي سيطرة من كانوا ضمن مسرح الحداثة بالسودان الموحد سابقاً ويمكننا أن نتتبع ذلك أيضاً في ديوان شعر للصحفي و الأديب أتيم سايمون قيد الطبع بدار رفيقي.

الإنتباه الذكي :

الملف الثقافي تشكيل ودت صحيفة الموقف  في الدفع به في  عدد الأربعاء من كل إسبوع ، يعتبر حدثاً مهماً فبجانب كونه يكمل من دور الصحف في تواصلها مع جمهورها ،  فهو من الاهمية بمكان فالملف الثقافي احد ادوات التحصين ضد لغة الحرب حيث تمثل أحد  الاوعية التي من خلالها يتم ابراز العمل الثقافي ، و اين يقف في ظل الظروف الحرجة التي تعيشها الدولة ، من خلال الاعداد التي صدرت من الملف مؤخرا خلال هذا العام ، فإنها تمكنت من تسليط الضوء علي ماذا يدور في الواقع وفتح نافذة لأصوات الفاعلين في المشهد الثقافي للتواصل  مع الجمهور معبرين عن مساهماتهم في الحل السلمي للأحداث من خلال محمولاتهم السلمية و مسجلين صوت انتباه لحال الصحافة في ظل  غياب الدور التكميلي للسلطة المختصة و الذي يفترض ان يجد دعماُ و تشجيعاً.

غياب الموقع الالكتروني للصحيفة من الخارطة العنكبوتية  في هذا التوقيت الذي اصبح الامر من اليسر بمكان ظل يحد من انتشار الجهد القيم والكبير الذي تقوم به الصحيفة بشكل عام و الجهد المميز في الملف الثقافي بشكل خاص .

التلوين و التشكيل  و التلحين و الغناء وردة  علي خد جوبا :

الفن التشكيلي و النحت هو الآخر يُمثله جيل المبدعين من خريجي كليات الفنون الجميلة والتشكيلية الذين درسوا في سودان ما قبل الإنفصال ، و لعل مساهماتهم تفصح عن نفسها في الساحة  فشعار  دولة جنوب السودان (صقر الجديان) من تصميم الفنان شول أني من خريجي جامعة السودان ، أضف إليه الفنان ديفيد موربي الذي أبدع في تمثال الراحل المقيم د حون قرنق بميدان الحرية بجوبا  ، كما ان هنالك المجموعة التي قامت بتلحين النشيد الوطني لجنوب السودان بقيادة المبدع الأستاذ قبريال ارنست من منتسبي كلية الموسيقي بجامعة جوبا أضف إلي القائمة سانتو مليك و استانسلاوس فايدا من المبدعين ، ولعّل السبب الأساسي يكمن في تفوق هذه الكليات علي مثيلاتها في الشرق الإفريقي مما قلل من أثر التلوين والتشكيل الشرق- إفريقيين على هذا المجال في الدولة الوليدة، حملة (أنا تابان) التي تنظم جوبا هذه الأيام  والتي تسعي إلي تعزيز السلم الإجتماعي حيث يُشارك فيها تشكيليون جنوب سودانيون، في العام 2006م  حط بجوبا الفنان التشكيلي  الإريتري داني دفلا [11]،  لكن الفترة الزمنية التي لم تتعدي العام من الإستقرار دفعته لعدم مواصلة نشاطه التشكيلي بعد أن أسس إستديو بجوبا لكنه تحول إلي محل للدعاية والإعلان، لم تُسجل سجلات الفن التشكيلي لفنانين سودانيين أو أجانب أي حراك في فترة ما بعد الإنفصال وحتي الآن.

المشهد الغنائي و الوجدان المشترك :

النجاح غير المسبوق لفرقة كوتو[12]و التي تأسست في الخرطوم منذ العام 1994م  على يد ديريك الفرد, إستيفن أفير أوشلا والسماني لوال ، و التي تعرف شعبيا علي نطاق واسع باسم فرقة كواتو نسبة للمسرحية التي ادتها الفرقة و التي حملت نفس الاسم  والتي تؤدي أعمالها  المسرحية والغنائية بلغة عربي جوبا إلي جانب الإنجليزية لم تتمكن من مواصلة نموها في تربة جنوب السودان ، فكواتو رهان لازال يُمكن أن يؤسس لمنهج فلسفي يرفد الواقع الجنوب سوداني بالكثير ولا سيما وأن من أولي التحديات هو كسر حاجز الإختفاء عن الجمهور العريض ، الذي تشكل وجدانه وتأثر بتلك التجربة الرائدة، بالرغم من ذاك الغياب فالساحة تشهد حضوراً لفنانين يؤدون بلغة عربي جوبا أمثال سي جي أومان، مستر لانق وسلفا إكس، غاب عن الساحة بعض الفنانين مثل الفنان شول الذي يتعافى من المرض وهو أحد النجوم الذين الذين ظهروا في برنامج نجوم الغد التلفزيوني في السودان الشمالي بالإضافة إلي الفنانة فيفيان التي ذاع سيط أغنياتها في البلدين .

الأغنيات الشعبية المرتبطة بالمناسبات الإجتماعية مثل حفلات الحنة والأعراس في دولة جنوب السودان لا تختلف عن السودان  [13]( قال مصطفي  في فبراير 2014م  زرت مدينة جوبا للمرة الخامسة كانت زيارة عمل مع ثلاث  أصدقاء أحدهما فرنسي الجنسية، والآخرين كندي وزيمباوي، كان مقام النزول فندق بحي ملكال بوسط جوبا، في الليلة الثالثة خرجنا للبحث عن العشاء ولم نغفل تحذيرات الفندق بعدم السير بعيدا في توقيت الثامنة مساء فقد كانت وجهتنا غير بعيدة عن الفندق، تفاجئنا في ذاك الشارع الذي أُغلق بخيمةٍ للمناسبات بصوت فنانة تصدح بأغنيات السباته التي صارت مشهورة في بيوت الأعراس بالسودان، صدحت المغنية، التي أجبرتنا علي ترك البحث عن العشاء للانضمام إلي زمرة العابرين الذين استوقفهم ذاك الحدث، لتُسمعنا أغنية راجل المره ده حلو حلاه التي فشلت في ترجمتها لأصدقائي وفق كلماتها ).

لابد من الإشارة إلي أن الوجدان المشترك بين شعوب السودانيين لا يجب أن يُحكم عليه بأدوات سياسية، فالقطيعة السياسية والتوترات بين السودانيين لأسباب لا مجال للخوض فيها هنا تُمثل مرحلة تاريخية وأثر لعوامل سياسية محددة، فالوجدان المشترك بين هذه الشعوب ظل ممثلو هذه الشعوب من الرواد يُمثلونها في محافل كثيرة،  فحضور الراحل محمد عثمان وردي الملقب بـ( فنان إفريقيا الأول ) لمحفل إعلان إكتمال إنفصال الجنوب كدولة مستقلة، يُمكن وضعه في خانة التأكيد علي أن الحدث السياسي لا يُمكن له أن يُحدث القطيعة الوجدانية، فهو محفور في ذاكرة الأغنيات والشجن والسلالم الموسيقية، قصدت من هذه المقدمة أن أُشير إلي بعض الأغنيات التي تُشكل تاريخ وجغرافيا لهذا الوجدان المشترك مثل أغنية ( الأسكلا )، و( جوبا مالك عليا) و( مسافر جوبا) ( فيفان ) وغيرها من الأغنيات، الوجدان المشترك وضع لبناته علي مر التاريخ السوداني، يقول عبدالكريم [14]: في 1972كانت هنالك زيارة للرئيس الأسبق جعفر نميري إلي منطقة توريت، سبقت الزيارة بيوم دعوةٌ من قبل قائد الحامية للتجار بالسوق لحضور الحفل الغنائي المقام علي شرف الزيارة والذي سيُحييه الفنانان الراحلان  عبدالعزيز أبو داود  و النعام ادم و خضر بشير ، ورغم أن مسرح الحفل هو الحامية إلا أن الدخول يظل متاحاً للسكان المدنيين )،  رابطة معجبي الراحل محمود عبدالعزيز بجنوب السودان تُشير إلي مدي كسر الفن للحواجز السياسية، بل الزيارات الفنية للعديد من الفنانين السودانيين أمثال الفنان النور الجيلاني والفنان شرحبيل أحمد تؤكد إرتباط الأواصر الفنية بين الشعبين.

جيل الإستقلال : الثراء و التنوع  :

   السياسات السودانية التي أعقبت إنفصال الجنوب لم تُراعِ الخلفيات التاريخية ذات الإرتباط العضوي في بعض المناحي وخاصة في مجال التعليم، فجامعة جوبا التي إستقرت بمدن الخرطوم في مسيرة إستقرارها الثانية عقب تأسيسها في العام 1997[15]م ، كانت تُمثل قاعدة لعددٍ كبيرٍ من الطلاب المنحدرة أصولهم من إقليم جنوب السودان قبل الإنفصال، بالطبع هنالك أعداد مقدرة في الجامعات الأخرى، لكن تم إغلاق جامعة جوبا بطريقة غير محترفة حيث كان يمكن الإبقاء عليها وعلي إسمها إلي أن يتم تخريج آخر دفعة التحقت بالجامعة في العام 2011م، تلك الخطوة دفعت بكثير منهم إلي اللجوء الي الدراسة بمصر ودول شرق أفريقيا كينيا ويوغندا التي تحوي ما يُقارب الـ50000 طالب وطالبة بجامعاتها المختلفة، هذا الأمر يظهر تأثيره في إنحياز هذا الجيل إلي الفن في شرق إفريقيا من حيث نوعية الغناء والرقص بالإضافة إلي الإنضمام إلي ثقافة متابعة الأفلام والمسلسلات النيجيرية ، التي إستطاعت السيطرة علي نسب مشاهدة كبيرة بدول شرق أفريقيا، بالرغم من ذلك فللأمر فتح نوافذ متعددة ، فأصبح هنالك من لازال يستمتع بأغنيات الراحل محمود عبدالعزيز لكنه يجمع بينها والإستماع بذات المتعة لمن إكتشفهم في شرق إفريقيا من الفنانين دكتور كامليون وراديو أن ويزي وبيبي كول، حتي لا نغفل التأثير الشمال أفريقي والشرق أوسطي للغناء كمحمول وفد إلي دول شرق أفريقيا مع الطلاب الذين قدموا من الخرطوم أو من مصر ،  فليس من الغرابة أن تتفاجأ بالـ(دي . جي)  في إحدي أندية شرق إفريقيا ، وهو يبث أغنيات من لفنانين من الخليج العربي أو الشرق الأوسط  فهي  تأتي في سياق المحمول الذي ظل يشكل حضورا في الساحة  ، بل يعتبر هذا الجيل هو من أستطاع ربط الشمال الإفريقي بالشرق الإفريقي فظل إرتفاع أغنيات الفنان النوبي المصري محمد منير ، و رغم أنها بشكل محدود تشكل حضوراً في محيط  منابع النيل .

        في ختام: الفقرة أود الإشارة إلي أنه يجب الفصل بين الهوية و بين التنوع في تلقي و تذوق الغناء ، و الإنحياز إليه فلا يجدر بنا السقوط في وحل التحميل غير المنصف للغة الإغنيات و إشكالات الهوية ، فلو حدث ذلك فليس من مبرر يجعل كاتب المقال يعشق غناء بوب مارلي ، بذات المقام الذي يحتفي فيه بغناء الكثيرين علي سبيل المثال ، محمد عثمان وردي ، مصطفي سيد أحمد ، محمود عبدالعزيز ، ،ناسي عجاج  ، النور الجيلاني ،  مانو دبانقو ، سالف كيتا ، محمد منير و القائمة تطول .

المشهد الآن :

في الساحة الفنية بجنوب السودان العديد من الفرق التي تعمل علي احياء المشهد الثقافي مثل  الرقص الاستعراضي  الذي أخذ زمام المبادرة فيه معهد اورباب للرقص و الفنون الذي يقف علي رأسها استيفن افيرا اوشلا، والذي اطلق المركز مبادرة عشان بلدي ووفقا للحوار مع ملف الموقف الثقافي فان المبادرة هدفت الي تقديم اغنيات وطنية تدعوا لإزالة الغبن و الكراهية والرعب الذي سكن نفوس المواطنين جراء الاحداث الأخيرة في مدينة جوبا [16] ، في سياق الحوار جاءت مشاركة استيفن في ورشة لتطوير الموسيقي في  شرق افريقيا و محاولة لوضع منهج عالمي موحد ، مع الإشارة إلي أن الورشة عقدت في أديس أبابا بإثيوبيا ، لعل ما يدفعني للتعليق هو أن إثيوبيا  الدولة المستضيفة تعتبر أحد دول القرن الإفريقي و ليس الشرق الإفريقي ربما تم اتخاذ أثيوبيا كموقع للإنعقاد فقط لكن أن كانت بمشاركة أثيوبية فأن المؤتمر يعني بتطوير الموسيقي في الشرق و القرن الإفريقي وهنا تبرز مسالة السلم الخماسي و بذات المنحى فهنالك سؤال يطرح نفسه هل  يتبني معهد أورباب عبر تلك المشاركة تبني السلم الخماسي في أعماله ؟ إذا كانت الإجابة بنعم فهذا يعني أن المعهد يجلس علي إرث ضخم من الأعمال الإبداعية التي سلكت السلم الخماسي علي امتداد تاريخ ما عرف سابقاً ( بالسودان الموحد)

الفرق الفنية مثل ميقا اندبندت التي تكونت في العام 2010م بغرض الاستعداد لانفصال جنوب السودان و العمل من اجل انهاض ثقافة جنوب السودان ضد الثقافات التي اسماها مؤسس الفرقة اوتيم ديفيد في حواره مع الملف الثقافي لصحيفة الموقف في 28 سبتمبر2016م[17] ، يجب ان نشير الي ان الاسم مأخوذ من لغة الاشولي و هي تعني الحاجة العظيمة او الحدث الاعظم و كان مقصود به انفصال جنوب السودان و ظهوره كدولة مستقلة كاملة السيادة في المجتمع الدولي ، ما يلفت الانتباه في تجربة ميقا إندبندت وفقا لتصريح أوتيم ديفيد أن من التجارب المهمة التي خرجت بها الفرقة انها نجحت في احداث تحولات في حياة بعض افراد عضويتها البالغة 40 فرداً بعيدا عن حياة التشرد! هذه النقطة كما أشرت جديرة بالتوقف عندها و ذلك لكونها قابلة للتطور عند النظر إلي التجارب المشابهة و العابرة للحدود فتجربة [18]( إستيا لوسي) اليوغندية التي إنطلقت في 2014م  و تمثلت في تكوين فرقة للرقص الذي أخذ ذات الاسم ( Sitya loss )  و التي تعني ( لا أخشي الخسارة) هي الاغنية التي كتبها الفنان إدي كنزو، إستهدفت بعض الأطفال المشردين قبل أن تتطور الفكرة لتصبح أكثر تنظيما ، و لعل المثير في التجربة هو الجديد الذي اسس به التجربة من رقص متفرد يعتمد علي الحركات الرشيقة غير التقليدية الموجودة في الساحة ، بالإضافة إلي الطابع المسرحي  و الفضاء الذي أتخذ في البدء الشارع العام مسرحاً للأداء ، أضف إلي ذلك بعداً مهما هو أنها انتبهت إلي أهمية الوصول إلي الجمهور عبر الفيديوهات التي راجت في الشبكة العنكبوتية قوقل عدد المشاهدات للتجربة  التي حملت اغنية   حوالي (643996 مشاهدة[19])  ، عند كتابة هذا المقال في 17 أكتوبر 2016م ، بذات القدر فان ميقا أندبندت ، و غيرها من التجارب في المسرح الثقافي العام لجنوب السودان يجب أن تنتبه للأمر فما يمكن أن يدفع به فيديو من خمس دقائق يعادل العديد من الصفحات المكتوبة ، فالثورة الرقمية أصبحت تطرق أبواب البيوت و القلوب بمحمولاتها الغنية لتتربع مرسخة بتلك التجارب مساحات علي الذاكرة الإنسانية.

إنطلاق منافسات المدارس الثانوية في مجال المسرح  في 12 أكتوبر 2016م [20]يعتبر حدثاً يحتاج الي توثيق و رعاية من قبل الجهات المختصة ، فالحيوية التي تحتضنها مثل هذه المنافسات تغذي في المستقبل القريب الساحة الثقافية بفاعلين جدد و افكار جديدة بالضرورة تعبر عن السير في طريق نحو التطور و الانتشار، أضف إلي ذلك فان مساهمة جيل المسرحيين و المخرجين الجنوب سودانيين في مراقبة و متابعة هذه المواهب يجب أن تبدأ منذ  بالتزامن مع بداية الحدث لكي تترابط مسالة المجايلة و إنتقال الخبرات و الدفع بها إلي المشاريع المسرحية الكبيرة ، فالتاريخ القريب لما عرف بالمليون ميل مربع قبل الإنفصال وثق للدور الذي تعلبه هذه الفعاليات في تغذية المشهد العام بالمسرحيين و المخرجين و غيرهم من رواد حرفة المسرح .

فن النحت  الكدوس الخشبي :

حينما كانت أمسيات الخرطوم عامرة بالمدنية و الحب ، و كانت جوبا تنعم بإستقرار في فترات ما قبل بداية الحرب و الهدنة بين الحربين ، كان لفن النحت اليدوي و الأعمال اليدوية المبدعة سيطاً ، يرتاد رواد ذاك الفن من السودانيين و الأجانب  أسواق الخرطوم التي تخصصت في بيع تلك المشغولات و الجهد الفني البديع ، و كذلك سوق أمدرمان  ظل صناع و ملاك  ناصية هذا الفن الإبداعي الجميل تنحدر أصولهم من إقليم جنوب السودان سابقا ، لكن للتحولات الكبيرة في مسار الحركة المدنية في الدولة السودانية مثل إعلان قوانين الشريعة الأسلامية ، و عودة الحرب الأهلية في نسختها الثانية في العام 1983م ، أثر في ذاك الفن و لا عجب أن إكتشفنا أن الهوس الديني الذي تم وضع بذوره في أرض الواقع قد بدأ  يرسخ لمفهوم التحريم لبعض تلك المنحوتات عبر هجمات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، أضف أن حالة النزوح واللجوء قد فصمت عري تطور تلك الصنعة ، لكن برغم ذلك كان هنالك جيل من العاملين في المجال يصرون علي ربط أواصرها عبر عرض أعمالهم في الشوارع العامة ( السكة حديد)  بالمنطقة الصناعية بالخرطوم ،، بعد أعلان دولة جنوب السودان لم تتطور تلك الحرفة بالدولة والوليدة لاسباب منها أنها أصبحت حرفة غير ذات دخل مجزي في ظل إرتفاع تكاليف الحياة  اليومية .

دولة كينيا التي إنتبهت للفراغ الذي تركته دولة جنوب السودان في ذاك المجال فكثفت جهودها في شغل الحيز الإبداعي بشكل كبير فتمكنت أن تصبح السوق الأولي في شرق إفريقيا بعد أن ربطة حركة النحت و العمل اليدوي بالسياحة لتسيران جنباً إلي جنب في تطور .

و لكن يظل لكل ثقافة ملمحها و لكل حرفة بصمتها تختلف زمانا و مكاناً وفقاً لمحمولات المجموعات التي تشكل ذاك الذهن المبدع ، فما يميز جنوب السودان في ذاك  المجال لا زال محتفظاً بمكانه شاغراً ، فلن تجد أجمل ما يمكن إقتنائه من ( كدوس خشبي) لماهر و مالك لحس الحرفة أناملاً و فكرة ، فكأن الكدوس هو البصمة التي لم تتمكن كينيا من تقليديه بذات علو الكعب ، أذن البحث العلمي و التقصي قد يكشف أن هنالك الكثير الذي لايزال بإنتظار جنوب السودان للعودة إلي ساحة المنافسة الساحرة ،

الجاليات  و التلاقح الفني

التواصل بين الفن السوداني (سودانا ما قبل الإنفصال)  ودول الجوار إثيوبيا وإرتريا والصومال  في مجال الغناء ساعد في إنتشاره تربع السلم الخماسي في دول القرن الإفريقي ، و ظل دور السودان رائداً حيث يُفصح عن ذلك في الساحة الفنية  الإحتفاء بالفنان محمد وردي في إستاد أديس ابابا في العام 1991م كفنان إفريقيا الأول إلي جانب الشهرة ذائعة الصيت للراحل سيد خليفة كأحد فناني الجيل من الرواد، ولعّل الحدود المفتوحة والحركة السكانية بين هذه الدول دفعت إلي ترديد العديد من الفنانين السودانيين بهذه الدول  ( في صفحته بالفيس بوك ذكر الصحفي مصطفي سري لقاءه مع وردي سائق التاكسي البريطاني صومالي الأصل بلندن ليكتشف أن سر الإسم إرتبط بعشق والده وردي للفنان محمد وردي )، الكثيرون من الصوماليين حتي من غير محترفي الغناء يرددون الغناء السوداني طربا و إستمتاع ، فالغالبية من الذين أستطلعتهم من جيل الشباب وقفوا عند حدود عشق الراحلان وردي  و سيد خليفة بل منهم من أدهشني بود خاص للفنان أحمد ربشة ،   أما في كل من إثيوبيا وإرتيريا فقد ظل الراحل سيد خليفة يُمثل رقماً مهماً إلي جانب فنانين آخرين، في إثيوبيا لا غرابة أن يتم الترحيب بمقدم السودانيين الي المحال العامة بتشغيل أغنيات سودانية  سواء بصوت فنانيها أو بأداء إثيوبي ولعّل الساحة تكشف يومياً عن الجولات الفنية للعديدين بين الدول، فزيارات الفنانة ندي محمد عثمان ( ندي القلعة) وأداؤها للأغنيات بلغة الأمهرينا تكشف ذاك العمق طبعاً إلي جانب آخرين أيضا، بالمقابل فقد قوبلت زيارة الفنان الإثيوبي  تدي أفرو إلي الخرطوم في 2014م بحضور وتفاعل كبيرين ، إزاء هذا المشهد وبنقله إلي جنوب السودان نجد أنه قد تم نقل الفن السوداني لسودان ما قبل الإنفصال عبر فناني دول الجوار إلي مدن إقليم جنوب السودان فساعد في إنتشارٍ آخر لذلك عبر طرف ثالث  نفذ إلي ذلك عبر بوابات مطار جوبا و معبري نمولي و كايا.

الغناء … فوق إحتمال الحدود الجغرافية :

لم يقجوبا والإنجليزية لمحطة فظروف حالة عدم الاستقرار التي شهدها جنوب السودان في ديسمبر 2013م دفعت بالعديد من الجنوب سودانيين والأجانب إلي المغادرة إلي دولهم أو دول ثالثة مثل يوغندا وكينيا وأثيوبيا، هذه الهجرة الثانية عقب إستقرار دام ثمانية سنوات أستصحبت معها المحمول الفني الذي تشكل في جوبا، يقول صالح   ( وأنا ادلف إلي أحد المراكز التسويقية بقلب العاصمة اليوغندية كمبالا، توقفت لبرهة لأتأكد من كلمات تلك الأغنية التي كانت تنبعث من هاتف يحمله شاب يوغندي، دون تردد وجدت نفسي أقف أمامه وألقي بالتحية عليه لأتأكد من أن كلماتها كانت أغنية  للفنانة ندي محمد عثمان (ندي القلعة) قبل أن أساله إن كان يعرف اللغة العربية أو الفنانة، هز رأسه بالنفي قبل أن يقول أنها إحدي الأغنيات التي أسكنها ذاكرة هاتفه عندما كان يعمل بمدينة جوبا بدولة جنوب السودان، وأضاف بأنه  رغم عدم فهمه لكلماتها لكنه معجب بالصوت والموسيقي )، كما أشرت أدت ظروف الحرب الثانية إلي خروج رؤوس الأموال من مدينة جوبا وأغلبها كانت في مجال الخدمات سواء الفندقة أو المطاعم فانتقلت إلي شرق أفريقيا تحمل معها ذات الذاكرة الغنائية التي تبثها الأجهزة سابقاً في جوبا  ( موسي عازف أورغن إريتري الجنسية عاش لفترة من عمره بالمملكة العربية السعودية ليتعرف على الغناء السوداني عبر أصدقائه السودانيين قبل أن يُقرر السفر إلي جنوب السودان ليعمل عازفاً لعدة فرق إرتيرية وإثيوبية السبب المشترك بينها أداء الأغنيات السودانية إلي جانب الأغنيات باللغات الأمهرية والتقرنا، موسي من المعجبين بأغنيات الراحل إبراهيم عوض وطه سليمان ونانسي عجاج  بل يصر علي أن ما يُميز الفرق التي عمل معها بالأداء المتنوع للإغنيات بخلفيات سودانية ولغاتها الأصلية، إستقر موسي بكمبالا العاصمة اليوغندية  كعازف يبحث عن التفرد في أداء أغنيات سودانية مع الفرق التي يعمل معها ، فموسي لم يزور الخرطوم أو اي من مدن السودان الشمالي لكنه تمكن من إلتقاط مدهش فترة وجوده بجنوب السودان .

عربي جوبا  والإنجليزية علي قطار التحدي 

المشهد الثقافي وتشكُله في دولة جنوب السودان يحتاج إلي الإهتمام من قبل الدولة وذلك عبر إزاحة العصف السياسي الذي يتكتل عنوة علي كاهلها، فالإرتباطات العضوية الثقافية بين السودانيين لا يُمكن مواجهتها بقراراتٍ سياسية، فبالرغم من إعتماد اللغة الإنجليزية كلغةٍ رسمية، لكن فرضها بحكم الواقع يُعتبر قرار سياسي في المقام الأول، لأن عربي جوبا الذي يتفرع من اللغة العربية هو الشائع، في تقديري الإصرار علي اللغة الإنجليزية والتي تتم محاولة التبرير لها بأنها خطوة للانضمام إلي تجمع دول تحالف شرق افريقيا لا يصمد في الواقع وذلك لعدة إعتبارات واحدٌ منها أن المحاكم  لا تزال تجد سهولة في التعامل باللغة العربية وهو أمر طبيعي لأنها حتى الآن هي أداة المخاطبة الوحيدة التي يمكن التواصل بها بين المكونات المختلفة لمواطني دولة الجنوب، التجارب التاريخية التي يجدر الإهتمام بها أن السواحيلية لغة تشكلت علي ذات نسق عربي جوبا لكنها في مسار تطورها استطاعت أن تكون لغة مشتركة لكل دول شرق أفريقيا بل ساعد الأمر في التبادل التجاري و غيره مما سار ليفرض في الواقع السياسي و الإقتصادي تجمع دول شرق إفريقيا الذي يعد أنشط و متقدم علي تجمع دول غرب إفريقيا ، نخلص إلي أنه يجب النظر الجاد لما يتعلق باللغة لأنها ستضع هوية الدولة مفترق الطرق.

يجب أن أُشير إلى الإعلام: طال بالنظر إليه من جانب الحقوق هو إستحقاق إختياري لابد أن يجد الإحترام لكن مع ذلك فإنه آن الآوان للنظر بعين موضوعية للإنفصال كواقع بعيداً عن تلك العواطف التي تمت بها التعبئة أوان الإقتراع، لأنه ببساطة الممارسات السياسية للحكومات المركزية بشكل عام وبشكل أدق سياسة الإسلاميين السودانيين والذراع السياسي حزب المؤتمر الوطني هو زاوج بين إستخدام ذاك الحق والغبن الناتج عن سوء المعاملة الذي  اقترن كسمة في التعامل مع الحركة الشعبية وشعوب جنوب السودان في مرحلة تنفيذ الإتفاق وإبّان الحرب الأهلية وخلال  مراحل  عمر تجربة الحكم الوطني لما بعد الإستقلال، هذا الغبن تمت تعبئته بجفوة سياسية بين السودانيين دون الإنتباه للتمييز بين مسلك الحكومات والشعوب السودانية التي في غالب الأحوال تُحاسب وفقاً لما يفعله الساسة, لعّل أثر ذلك ظهر في المعاملة بالمثل،  فقبل يومٍ من إعلان إنفصال جنوب السودان في 10  يونيو 2011 م أغلقت الخرطوم ست صحف يومية بحجج أن بعض مُلاكها ينتمون إلي إقليم جنوب السودان بالرغم من الفترة الانتقالية التي تنص عليها الاتفاقية لم تنفذ بعد، إلا أن ما أقدمت عليه الخرطوم يُعد حدثاً في قاموس الكراهية السياسية الذي درجت عليه الخرطوم تجاه مسألة الإنفصال، بالمقابل في عام 2011م  أصدر الجنوب قرار بعدم السماح للصحف السودانية بالدخول إلي أراضيها، ردود الأفعال هذه رغم محاولتها التدثر بالقاموس السياسي في ممارسة الحقوق إلا أنها ذات أثرٍ سالب في الحركة الأدبية لأنها وجهت قنابل موقوتةً إلي الذاكرة لرفض إبتدائي للمحمولات الثقافية الأخرى ، لن تفلح كل المتاريس السياسية في إيقاف نبض النغم ، فمن يحاول فصمها كأنها ينزع عن النيل قميصه الأزرق .

وزارة الثقافة و الإعلام :

الدور المنوط بوزارة الثقافة و الاعلام  بجنوب  السودان يعتبر دور مهم و حيوي ، فعلي عاتقها تقع في هذا الظرف الحرج مهمة نشر ثقافة السلام الاجتماعي عبر الاقتراب  من المشهد الثقافي ، و دعمه سواء بالرعاية او توفير دور العرض و المعينات و فرص التدريب و تسهيل حركة المبدعين في كافة المجالات ، ليشكلوا حضورا كاملا في الساحة ، المهرجانات الثقافية ، معارض الكتاب ، التفكير في أنشاء مسرح قومي بمواصفات عالمية و غيرها هي ما يجب أن تخطط له الوزارة

في ظل الحالة الإنتقالية فإن مسرح الشارع يجب أن يجد التشجيع من قبلها ، و كذلك الرعاية التي تمكن وصول هذه الرسالة صوتا و صورة لكل مدن جنوب السودان لكي تصل الرسالة الي المستهدفين ، فكثير جدا من الأعمال الثقافية سواء كتابة أو مسرحا أو غيرها إستطاعت أن تغير مسارات عجزت عنها السياسة.

بروفايل

مارتن وده ميان

في زمن صارت فيه الكلمة و الصورة قادرة علي إركاع المستحيل و تحويل بوصلته نحو ( ميس الأمان) المدثر  بإزياء حملت في بهاء الوانها المائية ما يمكن أن يعبر في وضوح و بكل  لغات العالم   عن قدسية  ، السلام ، و الحب و الموسيقي  ، نفض مارتن وده  كفيه التي لم تكن تحملان شيئا لكنه كعادته أراد التأكد من أنها  كذلك ،  الحرص علي ذاك الفعل أصبح أحد طقوسه التي  يوديها بعد خروجه الاحتفائي من حالة العصف الذهني التي تسبق كتاباته التي  يخطط لها باوتار موسيقية اسكنها ذاكرته فتخرج معمدة محصنة بحسن إختيار المحاور و الموضوع فتندفع امنة الي ركن في الملف الثقافي بصحيفة الموقف  وهي عامره ( بمزاج معبق بجنزبيل )  تشتهيه القهوة عند إنحيازها للكيف .

 بينه و الكتابة الإبداعية والتصوير  التزام صارم ، أدرك بأن  الشمعة التي ستظل تضي للأجيال القادمة يشعلها دأب  البصيرة التي يعرف أن حدود الشوف هو أن يتلتقط حيوية ما يعبره الآخرون  مسرعين فيدفع بها الي ذاكرة التوثيق محصنا إياها من داء الشفاهية الذي ظل يهدر تاريخاً  تتعمد اللحظة علي عدم تكرار مشاهده .

 عمدته مهنة التدريس ( سلطاناً) في كرنفالات الاحتفاء بالكلمة الرصينة ، فخرج نحو المشهد الثقافي يحمل في وعيه ما يجعلك تقف كثيرا في الميني حوار مع أستيفن اوشيلا و معهد أورباب ،  و الرقص الإستعراضي ، مبادرات وضع منهج موحد للموسيقي بشرق إفريقيا ، قبل الإفاقة يستقبلك حواره مع أوتيم مؤسس و فرقة ميقا أندبندت فتشهق حين تنكشف أن اصول الاسم تعود إلي لغة الأشولي و تعني الحدث الأعظم ، فيخلد  مارتن مع أوتيم و بقية أعضاء الفرقة أن حدثاً مهما  حملته كتب التاريخ في  11 يوليو 2011م .

تجده أحد الجالسين علي ناصية الملف الثقافي الذي يتجمع رواده أصحاب الحرفة  في مساء كل ثلاثاء في أحد أركان الروح   يتقنون ما سيحمله الي القراء في صبيحة اليوم التالي من دسامة تجعل الروح تتنفس نقاء الحياه بعيداً عما ظل عالقاء في المحيط من رائحة  البارود.

   علي مسرح الابداع وطد  مارتن  خطوه احد ربان مجموعة الابداع  للفنون و المسرح  في مسار النيل ليضع من رحيق عشقه للدراما بصمة  كتلك التي رسمتها حواراته ، حتماً  ستحتفي به الاجيال التي تقرأ التاريخ في حيوية الراهن  ،   يعرف نهر النيل أن بالقرب من مجراه يقف   فنانا و مثقفا و معلما  شامخ  يعرف كيف يجعل   الاحرف تبتسم  حين يداعبها بالكيبورت فهو حصيف في إلباسها  من خميل الابداع حلل كتلك التي  تتباهي بها عروس النيل  .

 

جوبا وسلوي الأمسيات المتسربة:

  في ختام المقال ألفت الإنتباه إلي أن الحركة الثقافية في دولة جنوب السودان تحتاج إلي تضافر الجهود من أجل بلورةٍ طبيعيةٍ للسمة التي يجب أن تُشكل الوجدان الجنوبي الثقافي عبر إعطاء مساحة للحرية لكل التنوع الذي تزخر به شعوب الجنوب والموروث الثقافي لسوداني ما قبل الإنفصال بالإضافة إلى ما دفع به التنوع للقادمين الأجانب ومحمولاتهم، أجدني أميل إلي الختام بمقولةٍ لصامويل  وهو صديق إرتيري الجنسية  الجنسية قضي عشر سنوات في مدينة الديم بالخرطوم و سبع  عامرات مثلها في ضاحية أطلع بره  بمدينة  جوبا كنت قد  إستطلعته ضمن آخرين في موضع المقال ( تحتاج الحركة الثقافية بدولة الجنوب إلي إخراجها من ذاكرة الحرب والخوف، فالمدن التي تحول  دار السينما إلي كنيسة تُشير إلي أنها  تنام وإحدى عينيها مفتوحة).

الكاتب

محمد بدوي محمد

حقوقي سوداني و مصور و كاتب و روائي

نشر العديد من المقالات السياسية و الثقافية في الصحف   2010 – حتي الان

نشر سلسلة وجوه من خمسة اجزاء في القصة القصيرة و البورتريه 2013م – 2016م

نشر رواية سرماقا يرقص علي ضفاف فيكتوريا 2014م

حصاد البارود –  مليشيات الجنجويد في دارفور 2016م

نشر مقالات  بمجلة الحداثة السودانية 2016م

 

[1]   وكبيديا الموسوعة الحرة

[2]  إفاة من خالد حبيب الله ، تنحدر أصوله من مدينة أم دوم بشرق النيل ، قضي 41 عاماً بجنوب السودان و دول الشرق الإفريقي 4 أكتوبر 2016م

[3]  مقابلة مع عبدالكريم خير السيج – تنحدر اصوله من منطقة المغاوير بالإقليم الشمالي للسودان قدم الي جنوب السودان  في عام 1975م و عاش فيها الي 1978ن قبل ان ينتقل للعمل التجاري بين مدن شرق افريقيا  بالكنغو ويوغندا و رواندا و لم تنقطع سلته بجنوب السودان الي الان – 14 اكتوبر2016م

[4] لفظة جلابة  توصيف إقتصادي ظل يشير إلي التجار الشماليين بجنوب السودان .

[5]  وفقل للموقف الثقافي في 28 سبتمبر 2016م  تحت عنوان تاريخ ومعالم ( مونو- كي الغابة و ماوي الحيات) و في سياق التقصي لمعتاني اسماء احياء جوبا فقد ورد ان معني لكمة منوكي المكونة من مقطعيين مونو –كي  يعود اصلها للغة الباريا  تعني الحية التي بالأعلى .

[6]  تم تقصي الاسماء بعد مقابلة بيدال مارسيل ، طالب جامعي ، تنحدر أصوله من مدينة جوبا ، في 13 أكتوبر 2016م .

[7]  إحصائية استقصاها الكاتب من الصحفي و الأديب الاستاذ أتسم سايمون 2 أكتوبر 2016م

[8]   المصدر السابق

[9]  صحيفة الموقف الثقافي –  بتاريخ    2016م

[10]  إفادة  من محمود أحمد إيرتري الجنسية في 5 أكتوبر 2016م

[11]  سامي إبراهيم موسي ،  سوداني إريتري ، عمل في السودان ، جنوب السودان ، أسمرا، كمبالا و نيروبي 5 اكتوبر 2016م

[12]  كوتو تعني الحجر المقدس عند التبوسا ، افادة من الاستاذ السر السيد 12 اكتوبر 2016م

[13]  مصطفي (فضل حجب إسمه) ناشط حقوقي سوداني – مقابلة 5 أكتوبر 2016م

[14]   مقابلة مع عبدالكريم خير السيد 13 اكتوبر 2016م أحد التجار السودانيين بدأ التجارة بجنوب السودان وشرق إفريقيا في العام 1966م تنحدر أصوله من مدينة شندي بشمال السودان

[15]  عبدالكريم خير السيد مقابلة في 13 اكتوبر 2016م أحد التجار الشماليين بدأ التجارة بجنوب السودان وشرق إفريقيا في العام 1966م تنحدر أصوله من مدينة شندي بشمال السودان

[16]  ميني حوار – افادات استيفن اوفيرا اوشلا في افادات للموقف الثقافي – حاوره مارتن وده – 13 اكتوبر 2016م

[17]   ميني حوار – افادات اوتيم مؤسس ميقا اندبندت للموقف الثقافي  ، حاوره مارتن وده – 28 سبتمبر2016م

[18]  تجربة غنائية استهدفت الاطفال المشردين في يوغندا

[19] Ghetto Kids DANCE you tube

[20]  الملف الثقافي – صحيفة الموقف

ترك الرد

Please enter your comment!
Please enter your name here